كيفية التغلب على الصعوبات التي تواجه المترجمين

كيفية التغلب على الصعوبات التي تواجه المترجمين

بقلم: مجد دريباتي، محرر الجودة، بيت المحتوى

على الرغم من كل ما تحمله مهنة الترجمة من جوانب إيجابية، ليس أقلها أن المترجم غالباً ما يكون واسع الاطلاع غزير الثقافة عميق التواصل مع العالم، إلا أن من يعمل في "مهنة المتاعب" هذه يعرف أن صعوباتها لا تقل عن إيجابياتها، وأن على المترجم أن يتعامل يومياً مع الكثير من المتاعب، من سوء الفهم المرتبط بهذه المهنة في عالمنا العربي، وصولاً إلى ندرة الموارد والمراجع، واختلاف وجهات النظر في جميع التفاصيل، وحتى عدم التقدير الذي يلقاه أحياناً من العملاء.

نناقش معاً في هذه التدوينة أهم الصعوبات التي واجهتني بعد عملي كمترجم لأكثر من خمس سنوات، وسأطرح عليكم هذه الصعوبات بناء على طبيعة العمل الذي تختارونه، العمل الحر أو العمل ضمن شركة، مع بعض التوصيات المتواضعة التي أضعها بين أيديكم لعلها تساعدكم في تخطي هذه الصعوبات. وأرجو أن أترك من الفائدة ما يجلها جديرة بالقراءة للمترجمين الشباب المقبلين على هذه المهنة الراقية.

 

المشاكل المتعلقة بطبيعة العمل

قبل التعرف على بعض هذه المشاكل، لا بد من التأكيد على أنها ليست أمراً مسلماً به، كما ليس من الضروري أن يتعرض لها كل مترجم في عمله؛ ولكن بالعودة إلى المشاكل الكثيرة التي قد يتعرض المترجمون لها، سيتوجب عليّ أن أقسمها بحسب طبيعة العمل:

العمل عن بعد

للعمل عن بعد الكثير من الفوائد، فمن يفضل الجلوس على مكتبه المنزلي والعمل ضمن ما يعتبره "مساحة الراحة" الخاصة به، سيكون خيار العمل عن بعد سبباً في ازدياد حبه لعمله وارتفاع إنتاجيته أيضاً. من ناحية أخرى، عانى بعض المترجمين الذين يعملون عن بعد من عدم تقدير جهودهم بما يكفي! وللأسف، إن العمل عن بعد أحد أصعب طرق العمل على الإطلاق، فعدم وجود بيئة عمل مناسبة أو زملاء لعرض الدعم والمساعدة عند الحاجة عبء ثقيل في هذه المهنة، خاصةً إن كنت تفضل العمل بروح الفريق. كما أن العديد من أصحاب العمل يستغلون ظروف البلد الذي يعمل فيه المترجم لتقديم أبخس الأجور بحجة أنها كافية في ذلك البلد، مهما كانت قليلة مقابل الجهد المبذول. ناهيك عن عدم وجود أي وسيلة لضمان حق المترجمين في الاستمرار بالعمل، ولذلك يعانون من عدم استقرار حياتهم المهنية على الإطلاق! قد تكون هذه المشاكل مألوفة وقد لا تكون كذلك، فبالتأكيد ليس كل أصحاب العمل غير مقدرين للمواهب التي تعمل معهم، بل يوجد العديد ممن يسعون لتأمين ما يحتاجه المترجمين ليشعروا بالراحة، ما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية ورفع جودة العمل.

 

العمل ضمن الشركات

يتأثر المترجم عند العمل ضمن شركة بالكثير من العوامل، ولعل أهمها هو شخصية المدير أو قائد الفريق. هنالك مسألة على درجة عالية من الأهمية، لا يدركها الكثيرون، وهي أننا كمترجمين، وبطبيعتنا الإنسانية، نميل إلى التعلم السمعي عن طريق الكلمات، وليس البصري عن طريق الصور، وهذه الملكة هي ما أوصلتنا أساساً إلى مهنة الترجمة. في دراسات التعلّم الحديثة، يرتبط التعلّم السمعي بالتعلم العاطفي، وهو ما يجعل من المترجمين عموماً أشخاصاً حساسين للغاية لمحيطهم، وخصوصاً للمديرين أو قادة الفرق.

دعونا نناقش بيئة العمل في البداية، حيث تتعلق جودة أي ترجمة ببيئة العمل، فالمترجم الذي يعمل مع فريق متفاهم ومتعاون وبوجود وسائل الراحة التي يحتاجها لن يتردد في تقديم أفضل ما يمكن في عمله، وعلى الرغم من كثرة هذا النوع من الشركات، إلا أن الأمر لا يخلو من وجود بعض الشركات التي لا تحترم هذه الظروف أو غير مقدرة لتأثير بيئة العمل على موظفيها. على سبيل المثال، قد يواجه البعض مشرفاً صارماً، أو زملاءً لا يؤمنون بروح الفريق، بل وقد تسود التفرقة بين العاملين فيتسلط المدققون على المترجمين، ويشعر المترجمون بالكره تجاه المدققين، وغيرها الكثير من مشاكل بيئة العمل.

وهنا يأتي دور المدير، فبوجود المدير الذي يتفهم احتياجات موظفيه ويسعى إلى الترحيب بالموظفين الجدد كأفراد من العائلة، يخلق بيئة عمل صحية يطغى عليها التفاهم والتعاون والاحترام المتبادل بين الموظفين. أما المدير الصارم الذي لا يهتم إلا بالعمل نفسه دون مراعاة موظفيه، فأعتقد أنه السبب الرئيسي في جميع مشاكل العمل مهما كانت بسيطة.

 

هل يمكن تجنب مشاكل العمل؟

وهل هناك مشكلة بلا حل؟ بالتأكيد يمكن أن يتجنب المترجم العديد من الخلافات بمنتهى البساطة، فعلى سبيل المثال، يجب على المترجمين عن بعد أن يقدروا قيمة جهودهم بنفسهم وألا يقبلوا بما لا يرضيهم، كما يستطيعون أيضاً التفاوض مع جهة العمل على الشروط التي تناسبهم بعد أخذ كافة الظروف المحيطة بهم بعين الاعتبار. أما نصيحتي الشخصية لكل من يقدم خدماته عن بعد: لا تبدأ العمل مع أي جهة قبل التأكد من هذه الجهة ومن موثوقيتها، وبالتأكيد اطلب عقد عمل يضمن لك حقوقك حتى ولو كانت مسؤولياتك بسيطة، إذ أن ما تقوم به هو عمل رسمي مهما اختلفت تسميات البعض له!

أما إن كنتم موظفين بشركات متخصصة في تقديم خدمات الترجمة، فهناك بعض الخطوات التي يمكنكم القيام بها للحد من هذه المشاكل:

  • الحوار الراقي هو مفتاح الحد من الخلافات، حيث يختلف دائماً أسلوب وطريقة العمل من شخص إلى آخر، ولذلك النقاش البناء والحوار العميق بين الزملاء سيساعدان بالتأكيد في الوصول إلى حل يرضي الطرفين.
  • الملاحظات البناءة أداة المترجم الرئيسية، قد يتلقى أي مترجم العديد من الملاحظات بخصوص عمله، ونصيحتي له أن يتقبلها بصدر رحب، فلا أحد يرغب بتوجيه الملاحظات لمجرد إضفاء التوتر على الجو العام في الشركة، بل تأتي الملاحظات في سبيل تطوير مهارات المترجم وتحسين جودة العمل، لذلك اعتبروا أن هذه الملاحظات هي درجات السلم الذي سيوصلكم إلى الجودة أو الأسلوب الذي تبحث عنه الشركة.
  • الفصل بين الحياة الشخصية والحياة المهنية، فالأحداث المزعجة في المنزل قد تؤثر بشكل سلبي على عمل المترجم أو حتى على طريقته في التعامل مع زملاء العمل، الذين يُعتبرون عائلةً ثانيةً بالتأكيد، ما يخلق بعض المشاحنات التي تعكر صفو العمل.
  • الجميع بحاجة المساعدة بين الحين والآخر، لا تخجلوا من طلب مساعدة زملاء العمل، إذ أن هدفكم واحد وهو تطوير المهارات الشخصية وتحسين طبيعة المواد المترجمة، كما يساعد هذا الأمر على توطيد العلاقات بين الزملاء، بل وقد يوفر هذا عليكم بعض ملاحظات المشرفين لاحقاً.
  • احترام الخصوصية، عند مواجهة أي مشكلة، تواصلوا مع المشرف عليكم على انفراد لحلها، للتخفيف من التوتر الذي قد ينتج في حال خرجت المشكلة على الملأ.

 

في النهاية، يوجد حل لكل مشكلة، ولكن عبء حل هذه المشاكل لا يقع على فرد واحد بل على فريق العمل أجمع، كما تجدر الإشارة من جديد إلى أن خلق المدير لبيئة العمل المناسبة هي أساس الحد من أي مشكلة. ومن جديد، لا بد من التذكير بأن هذه المشاكل ليست عامة بل هي شائعة، وفي بعض الحالات فقط. وكما نوهت سابقاً، يوجد العديد من الشركات التي توفر كافة متطلبات المترجم. لذلك، إن كنت ترغب في الدخول إلى هذا المجال، لا تتردد فالمترجم صاحب إحدى أسمى الرسائل في العالم.