ورقة عمل حول التعريب اللفظي في اللغة العربية

يعد التعريب اللفظي، وهو المصطلح العربي المقابل لكلمة transliteration في اللغة الإنجليزية، من أهم أدوات اللغات التي تتيح لها التطور واستيعاب مصطلحات العالم الحديث. وقد اكتسب التعريب اللفظي أهمية خاصة في عصرنا الحديث، لأن متطلباته تخطت مسألة نقل العلوم والمجالات الحديثة لتصل إلى استخدام العلامات التجارية العالمية، مثل ’جوجل‘ و’فيسبوك‘ وغيرها. إلا أن ممارسات التعريب اللفظي تحتاج إلى الكثير من الجهود البحثية، وإلى وضع معايير أساسية تسهم في توحيد المصطلحات المعربة ومنع تعدد خيارات التعريب. 

لمحة تاريخية

ليس التعريب اللفظي ممارسة مستجدة، فهي قديمة قدم اللغة العربية، حيث نجد القرآن الكريم قد استخدم مصطلحات معربة لفظياً من اللغات القديمة، مثل كلمتي اليم والطور، المعرّبتين عن السريانية، والصراط والفردوس المعربتين عن الرومانية، وكلمة سجّيل المعربة عن الفارسية. بالإضافة إلى ذلك، لقي التعريب اللفظي بحثاً واسعاً من علماء اللغة العربية القدماء، حيث ميز العلماء بين المعرَّب والدَّخيل، واشتقوا مصطلح الاقتراض للإشارة إلى ما يعرب لفظياً دون تغيير من اللغات الأخرى، كما وضعوا ضوابط التعريب اللفظي بالطريقة الصوتية والطريقة الصرفية النحوية. ويمكن العودة إلى الكتب التي وُضعت حول هذا الموضوع بين القرن السادس والثاني عشر الهجري، مثل كتاب "المعرّب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم"، للجواليقي، 540هـ، وكتاب "رسالة في تحقيق الكلمة الأعجمية"، لابن كمال باشا، 940 هـ، وغيرها.

 

التحديات التي تواجهها ممارسات التعريب اللفظي الحديثة

يمكن تلخيص المشاكل التي تعاني منها ممارسات التعريب اللفظي الحديثة في النقاط التالية:

  1. تعدد خيارات التعريب اللفظي وعدم توحيدها، مثل تعريب موقع التواصل الاجتماعي الشهير بكلمة ’فايسبوك‘ أو ’فيسبوك‘ أو فيس بوك‘.
  2. غياب معايير واضحة لاستخدام حروف الاستبدال عند التعريب اللفظي لمصطلحات تحوي أصواتاً غير موجودة في اللغة العربية، مثل أصوات الحروف G و V و P في اللغة الإنجليزية، فنجد موقع البحث العالمي الشهير معرباً بكلمات ’جوجل‘ أو ’قوقل‘ أو ’غوغل‘ وفقاً للمنطقة الجغرافية واللفظ العامي لهذه الحروف.
  3. تشابه بعض الألفاظ المعربة صوتياً مع كلمات عربية، ما يؤدي إلى تشويش المعنى. ولعل أبرز مثال عن هذا الموضوع هو التعريب اللفظي لنوع لحم Angus الشهير، حيث يكتب لحم أنجس، وهو ما يحمل معنى النجاسة الذي يسبب مشكلة حقيقية نظراً لارتباط المصطلح بالطعام.
  4. المقاومة غير المبررة التي تلقاها ممارسات التعريب اللفظي لدى أساتذة المدرسة اللغوية القديمة، الذين يصرون على إيجاد مصطلحات عربية بديلة، مثل الإصرار على استخدام مصطلح الحاسوب بديلاً عن كمبيوتر، برغم شيوع الخيار الثاني. للأسف، تسهم مجامع اللغة العربية القديمة والعريقة في إذكاء هذه المقاومة غير المبررة.
  5. عدم وضوح قاعدة استخدام "ال" التعريف مع الكلمات المعربة لفظياً، فنجد مصطلح "الفيسبوك" مثلاً، مع أن اسم الموقع هو اسم علم معرفة لا يعرَّف بـ "ال".
  6. غياب الضوابط الأكاديمية لاستخدام التعريب اللفظي، التي توضح متى يمكن استخدامه، وكيف، ولماذا، والخيارات الأخرى المتاحة بديلاً عنه في حال عدم القدرة على استخدامه، وهو ما سنوضحه في الفقرة التالية.

 

توصيات حول ضوابط استخدام التعريب اللفظي

نورد في ما يلي بعض التوصيات حول ضوابط استخدام التعريب اللفظي، بانتظار المزيد من النقاش والحوار حول هذه المسألة الهامة بين المتخصصين اللغويين:

  1. استخدام التعريب اللفظي في حال غياب المرادف العربي القابل للاستخدام: يعني ذلك غياب المرادف العربي كلياً (مثل أسماء العلامات التجارية) أو ضعف المرادف العربي وتسببه بمشاكل في الاستخدام (مثل اسم "الرائي" للتلفاز).
  2. استخدام التعريب الصرفي النحوي للمصطلحات التي جرى تعريبها صرفيَّاً خلال النصف الثاني من القرن العشرين في حال نجاح المصطلح المعرب في الدخول إلى الأدبيات العربية، مثل مصطلح "تلفاز"، والتوقف عن محاولة التعريب الصرفي النحوي واعتماد التعريب الصوتي من الآن فصاعداً.
  3. اعتماد التعريب الشرحي الوصفي (التعبير عن معنى المصطلح دون تعريبه بشكل مباشر) في الحالات التي لا تقتضي إيراد المصطلح بشكل مباشر، مثل التفاصيل التقنية في السيارات عند شرحها في سياق ميكانيكي.
  4. إيراد المصطلحات بلغتها الأم (بالأحرف الأجنبية) فقط عند الضرورة القصوى، مع مراعاة قدرة المتلقي على قراءتها. تصلح هذه الطريقة في السياق التقني على وجه الخصوص، عند ورود تفاصيل تقنية تخصصية غير موجهة للقارئ العادي. يراعى عند استخدام هذه الطريقة عدم المزج بين اللغتين، فيرد المصطلح بلغته الأم بشكل كامل أو باللغة العربية بشكل كامل.

 

 

توصيات حول ممارسات التعريب اللفظي

وللعمل على حل هذه المسائل، نورد في بيت المحتوى التوصيات التالية:

  1. العمل على إنشاء هيئة جامعة تعمل على توحيد المصطلحات المعربة لفظياً ونشر مسارد لغوية بهذه المصطلحات لاعتمادها من المترجمين والمتخصصين في المحتوى العربي. نوصي أن تعتمد هذه الهيئة على مبدأ التواصل الاجتماعي والتعهيد الجماعي، بحيث يُصار إلى طرح المصطلحات على مجتمع المتخصصين للنقاش وإبداء الرأي، ومن ثم اختيار المصطلحات الأنسب. وقد أطلقنا في مؤسسة بيت المحتوى مجتمع المترجمين العرب كخطوة أولى نحو هذا الهدف، ونأمل أن يحصل المشروع على دعم الجهات الرسمية وجمهور المتخصصين في الترجمة والمحتوى العربي.
  2. انشاء مسرد متخصص لحروف الاستبدال ونشره واعتماده. ونقترح في هذا السياق اعتماد الممارسات الشائعة في منطقة الخليج العربي، نظراً لتقديم نسبة كبيرة من المحتوى العربي من هذه المنطقة.
  3. اعتماد استخدام الفواصل المقلوبة مع المصطلحات المعربة لفظياً، لتمييزها ومنع التباسها مع كلمات عربية شبيهة بها. وفقاً لهذه التوصية، يُكتب مصطلح أنجس الوارد سابقاً بالشكل التالي: ويحتوي هذا الطبق على لحم ’أنجس‘ الأمريكي. تساعد هذه الممارسة أيضاً في تعريب أسماء المؤسسات والمنظمات التي تعرب صوتياً، حيث نكتب الأمم المتحدة دون الفواصل المقلوبة لأنها مصطلح عربي، بينما نكتب ’يونسكو‘ لأنها كلمة معربة لفظياً.
  4. إطلاق حملة تثقيفية حول استخدام "ال" التعريف مع المصطلحات المعربة لفظياً، وتوضيح عدم جواز دخولها على اسم العلم.

 

يحتاج هذا الموضوع إلى المزيد من البحث اللغوي، خصوصاً في ما يتعلق بهامش الحرية في اعتماد التعريب اللفظي للمصطلحات الحديثة، والقواعد اللغوية العربية لهذا الاستخدام، إلا أننا نأمل أن يلقى هذا الموضع ما يحتاجه من الدراسة في المستقبل القريب.

 

 د. علي محمد هو المؤسس والمدير التنفيذي - بيت المحتوى.